علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
142
ثمرات الأوراق
فانتهى به السّير إلى جحر حسن الظّاهر حصين ، في أرض منيعة ذات أشجار ملتفّة وماء معين . فأعجبه وسأل عنه فقالوا : هذا الجحر يملكه ثعلب اسمه مفوّض ، وأنّه ورثه عن أبيه . فناداه ظالم ، فخرج إليه ، ورحّب به ، وأدخله إلى جحره ، وسأله عن حاله فقصّ عليه خبره مع الحية ، فرقّ له مفوّض ، وقال له : الموت في طلب الثّأر خير من الحياة في العار ، والرّأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الّذي أخذ منك غصبا حتى أنظر إليه ، فلعلّي أهتدي إلى مكيدة تخلّص بها مأواك . فانطلقا معا إلى ذلك الجحر ، فتأمّله مفوّض وقال لظالم : اذهب معي ، فبت اللّيلة عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح من الرّأي والمكيدة . ففعلا ذلك ، وبات مفوّض مفكّرا ، وجعل ظالم يتأمّل مسكن مفوّض ، فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته ، ما اشتدّ حرصه عليه ، وطفق يدبّر الحيلة في اغتصابه ونفي مفوّض عنه . فلمّا أصبحا قال مفوّض لظالم : إنّي رأيت ذلك الجحر بعيدا من الشّجر والماء ، فاصرف نفسك عنه ، وهلمّ أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهى . فقال ظالم : هذا غيرممكن ؛ لأنّ لي نفسا تهلك لبعد الوطن حنينا ، فلمّا سمع مفوّض مقالة ظالم ، وما تظاهر به من الرّغبة في وطنه قال له : إنّي أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبا ونربط منه حزمتين ، فإذا جاء اللّيل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام ، فأخذنا قبس نار ، واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك ، فتجعل الحزمتين في بابه ، وتضرم النّار ؛ فإن خرجت الحية احترقت ، وإن لزمت الجحر قتلها الدّخان . فقال له ظالم : هذا نعم الرّأي . فذهبا واحتطبا حزمتين ، ولمّا جاء اللّيل ، انطلق مفوّض إلى ظاهر تلك الخيام ، فأخذ قبسا ، فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيّبها فيه ، ثم جرّ الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوّض فسدّه بها سدّا محكما ، وقدّر في نفسه أنّ مفوّضا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدّخول إليه لحصانته ؛ فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى . وكان ظالم قد رأى في منزل مفوّض طعاما ادّخره لنفسه ، فعوّل ظالم على أنه يقتات به إن حاصره مفوّض وهو من داخل ، وأذهله الشره والحرص عن فساد هذا الرّأي . ثم إن مفوّضا جاء بالقبس ؛ فلم يجد ظالما ولا وجد الحطب ، فظنّ أن ظالما قد حمل الحزمتين تخفيفا عنه ، وأنه سبقه إلى مسكنه الّذي فيه الحيّة إشفاقا على مفوّض . فشقّ ذلك عليه ، وظهر له من الرّأي أن يبادر إليه ، ويلحقه ليحمل معه الحطب ، فوضع القبس بالقرب من الحطب ، ولم يشعر أنّ الباب مسدود به لشدّة الظّلمة ، فما أبعد عن الباب إلّا وضوء النار وشدّة الدّخان قد لحقا به ، فعاد وتأمّل الباب ، فرأى الحطب قد صار نارا ، فعلم مكيدة ظالم ، ورآه قد احترق من داخل الجحر ، وحاق مكره وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] ؛ فقال : هذا الباحث على حتفه بظلفه .